حديث “أليس قد صام بعده رمضان؟! فَلَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض”
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين
رُوي هذا الحديث من رواية طلحة بن عبيد الله وأبي هريرة وعبيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص مع ناس من الصحابة:
* ـ فأما حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فرواه ابن حنبل [1403] وابن ماجه [3925] والطحاوي في مشكل الآثار [2309] وابن حبان [2982] والبيهقي [6768] من طرق عن محمد بن إبراهيم التيمي، ورواه ابن حنبل [8400] وأبو يعلى [648] والشاشي [27] والبيهقي في الزهد [632] من طريقين عن محمد بن عمرو بن علقمة، كلاهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن طلحة بن عبيد الله أن رجلين قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا، وكان أحدهما أشدَّ اجتهادا من صاحبه، فغزا المجتهدُ منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي، قال طلحة: فرأيت فيما يرى النائم كأني عند باب الجنة، إذا أنا بهما وقد خرج خارج من الجنة فأذن للذي تُوفي الآخِرَ منهما، ثم خرج فأذن للذي استُشهد، ثم رجعا إلي فقالا لي ارجع فإنه لم يأنِ لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: “مِن أي ذلك تعجبون؟!”. قالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدَّ اجتهادا ثم استُشهد في سبيل الله ودخل هذا الجنة قبله؟!. فقال: “أليس قد مكث هذا بعده سنة؟!”. قالوا: بلى. قال: “وأدرك رمضانَ فصامه؟”. قالوا: بلى. قال: وصلى كذا وكذا سجدة في السنة؟. أو قال: “وصلى بعده ستة آلاف ركعة؟!”. قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فَلَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض”.
[أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مدني ثقة ولد سنة 22 ومات سنة 94 على الراجح. طلحة بن عبيد الله صحابي جليل مات سنة 36]. وذكرَ يحيى بن معين أن أبا سلمة لم يسمع من طلحة بن عبيد الله، وذكر أبو حاتم الرازي أنه لم يسمع من أم حبيبة التي ماتت بالمدينة سنة 44، فهو لم يسمع من طلحة من باب أولى، فالسند منقطع، فهو ضعيف.
ـ ولهذا الحديث طريق آخر عن طلحة بن عبيد الله رواه الطحاوي في مشكل الآثار [2307] من طريق سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه عن جده عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة بن عبيد الله.
[سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله ضعيف. أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بيَّض له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل. سليمان بن عيسى بن موسى لم أجد له ترجمة. موسى بن طلحة بن عبيد الله مدني نزل الكوفة ثقة مات سنة 104]. فهذا الطريق تالف.
ـ وله طريق آخر عن طلحة بن عبيد الله رواه البخاري في التاريخ الكبير [1/ 316] والبزار [954] وأبو يعلى [634] والشاشي [26]، من ثلاثة طرق عن عبد الله بن داود عن طلحة بن يحيى بن طلحة عن إبراهيم مولى لهم عن عبد الله بن شداد عن طلحة بن عبيد الله به نحوه.
[عبد الله بن داود بن عامر الخُريبي ثقة مات سنة 213. طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله مدني نزل الكوفة، صدوق فيه لين ولد سنة 61 ومات سنة 148. إبراهيم مولى آل طلحة مجهول. عبد الله بن شداد مدني تابعي ثقة ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومات سنة 82]. فهذا الطريق شديد الضعف.
ورواه ابن حنبل [1401] وابن أبي شيبة [35564 وفي طبعة أخرى 34423] عن وكيع عن طلحة بن يحيى بن طلحة عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبد الله بن شداد أن نفرا من بني عذرة ثلاثة أتَوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلموا، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا، فخرج فيه أحدهم فاستُشهد، ثم بعث بعثا فخرج فيه آخر فاستُشهد، ثم مات الثالث على فراشه، قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في الجنة، فرأيت الميت على فراشه أمامهم، ورأيت الذي استُشهد أخيرا يليه، ورأيت الذي استُشهد أولَّهم آخرَهم، فدخلني من ذلك، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما أنكرتَ من ذلك؟!، ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يُعمَّر في الإسلام، لتسبيحه وتكبيره وتهليله”.
[وكيع بن الجراح ثقة إمام مات سنة 197. طلحة بن يحيى بن طلحة صدوق فيه لين، وثقه جماعة، ولينه جماعة، وقال فيه البخاري: منكر الحديث. مات سنة 148. إبراهيم بن محمد بن طلحة ثقة مات سنة 110. عبد الله بن شداد تابعي ثقة مات سنة 82].
تقدمت قبل هذه الرواية رواية هذا الحديث من ثلاثة طرق عن طلحة بن يحيى عن إبراهيم مولى آل طلحة، وجاءت الرواية هنا من طريقٍ واحد عن طلحة بن يحيى عن إبراهيم بن محمد بن طلحة!، وهذا تخليط، والأرجح هو ما جاء من ثلاثة طرق، أي إن هذا الحديث هو من رواية طلحة بن يحيى عن إبراهيم مولى آل طلحة، وهذا مجهول لم أجد له ترجمة، فالإسناد ضعيف.
ثم إن الإسناد الذي جاء من طريقٍ واحد هو مرسل كذلك، وهذا يزيده ضعفا على ضعف.
* ـ وأما حديث أبي هريرة فرواه ابن حنبل [8399] والبزار [929] من طريقين عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به. وعند العُقيلي في كتاب الضعفاء [1718] طريق ثالث، لكنه لا يُعتبر به.
[محمد بن عمرو بن علقمة مدني صدوق فيه لين وخاصة في روايته عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذه منها].
ورواه الطحاوي في مشكل الآثار [2308] من طريق سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة به مرسلا.
من الواضح هنا أن محمد بن عمرو بن علقمة قد اضطرب حفظه لإسناد هذا الحديث، إذ رواه على ثلاثة أوجه، رواه مرة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن طلحة بن عبيد الله، ومرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومرة عن أبي سلمة مرسلا، فكيف كان سماعه لهذا الحديث من أبي سلمة؟!.
محمد بن عمرو روى عن أبي سلمة عن طلحة بضع روايات وروى عن أبي سلمة عن أبي هريرة مئات، فانتقال الذهن من “أبي سلمة عن طلحة” إلى أن يكون عن أبي سلمة عن أبي هريرة أسهل عليه بكثير جدا من أن ينتقل بخلاف ذلك، وهذا يعني أن أصل الرواية هو عن أبي سلمة عن طلحة، فانتقل الذهن فجعلها عن أبي هريرة.
ثم إن الذي يقطع الشك ويؤكد ذلك هو أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قد روى هذا الحديث عن أبي سلمة عن طلحة كذلك، كما تقدم في حديث طلحة بن عبيد الله، فظهر بهذا أن رواية هذا الحديث عن أبي سلمة عن أبي هريرة هي من باب الوهَم.
وهذا ما قاله كذلك الإمام الدارقطني رحمه الله في كتاب العلل [518]، إذ رجَّح أنه عن أبي سلمة عن طلحة بن عبيد الله، وأن ذكْر أبي هريرة فيه وهَم.
* ـ وأما حديث عبيد بن خالد فرواه الطيالسي [1287] وابن أبي شيبة في المسند [544] وابن حنبل [16074، 17921 ـ 17923] وأبو داود في السنن [2524] والنسائي في الكبرى [2123] والطحاوي في مشكل الآثار [2311 ـ 2313] والبيهقي [6767]، من طرق عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن رُبَيِّعة السلمي عن عبيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين رجلين، فقـُتل أحدهما في سبيل الله، ثم مات الآخر، فصلـَّوْا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قلتم؟!. قالوا: دعَوْنا الله عز وجل أن يغفر له ويرحمه ويلحقه بصاحبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فأين صلاته بعد صلاته وعمله بعد عمله وصيامه بعد صيامه؟!، لَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض”.
[شعبة بن الحجاج ثقة إمام مات سنة 160. عمرو بن مرة كوفي ثقة مات سنة 118. عمرو بن ميمون الأودي كوفي ثقة مات سنة 74. عبد الله بن رُبيِّعة السلمي لم أجد فيه سوى أن ذكره ابن حبان في الثقات]. فهذا السند ضعيف.
* ـ وأما حديث سعد وناس من الصحابة فرواه ابن حنبل [1534] وابن خزيمة [310] من طريق عبد الله بن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: سمعت سعدا وناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كان رجلان أخوان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفي الذي هو أفضلهما، ثم عُمِّر الآخر بعده أربعين ليلة ثم توفي، فذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضْل الأول على الآخِر، فقال: “ألم يكن يصلي؟!”. فقالوا: بلى يا رسول الله وكان لا بأس به. فقال: “ما يدريكم ماذا بلغت به صلاته؟!”.
[عبد الله بن وهب ثقة مات سنة 197. مخرمة بن بُكير بن عبد الله بن الأشج مدني مات سنة 159، وثقه ابن سعد وعلي بن المديني وأحمد بن صالح المصري، وقال ابن حنبل: ثقة إلا أنه لم يسمع من أبيه شيئا. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يُحتج بروايته من غير روايته عن أبيه لأنه لم يسمع من أبيه ما يروي عنه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال يحيى بن معين في رواية الدوري عنه: ضعيف الحديث، ليس حديثه بشيء. وذكره العُقيلي وابن شاهين في الضعفاء. بُكير بن عبد الله بن الأشج مدني مصري ثقة مات سنة 120 تقريبا. عامر بن سعد بن أبي وقاص ثقة مات سنة 104]. فهذا الإسناد ضعيف.
* ـ كلمة حول متن الحديث:
المعنى المستفاد من هذا الحديث أن المسلم الذي تتأخر وفاته عن أخيه سنة هو أفضل من أخيه، بسبب أنه صلى في السنة التي عاش فيها ركعات كثيرة وصام فيها شهر رمضان، هذا حتى وإن كان أخوه الذي تُوفي قبله أشد اجتهادا في العبادة وكان مجاهدا وأكرمه الله بالشهادة!.
وهذا المعنى مغرق في الشذوذ والنكارة.
وجه شذوذه ونكارته مخالفته للآيات القرآنية الكريمة في تفضيل المجاهدين على القاعدين:
قال الله تعالى {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما، درجاتٍ منه ومغفرة ورحمة، وكان الله غفورا رحيما}.
وقال تعالى {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا، إن الله عنده أجر عظيم}.
فقد أخبرنا الله تعالى بأن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وبأنه فضَّل المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما، بينما تفضل رواياتُ هذا الحديث مَن لم يجاهد وعاش زيادة سنةٍ بصلاتها وصيامها على المجاهد الشهيد الأشدِّ اجتهادا في العبادة مِن صاحبه الذي عاش زيادة سنة بعده!.
ثم إن في روايات هذا الحديث تفضيلَ مَن صحبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم من آحاد الناس على الصحابي المبشر بالجنة الحائز على رتبة السابقين طلحة بنِ عبيد الله رضي الله عنه!.
وفي هذا قلبٌ لموازين الإسلام في الدرجات والمراتب، حيث تجعل رواياتُ هذا الحديث درجة مَن كان أطول عمرا مع زيادة أعداد ركعات الصلاة وأيام الصيام تسبق درجة من هو أقل عمرا مع شدة الاجتهاد في العبادة والجهاد ونيل الشهادة!، لا لشيء سوى أن الميزان ـ حسب تلك الروايات ـ يقدم معيار طول العمر على معيار البذل والتضحية والإخلاص والبشارة بالجنة!. حقا إنه أمر في غاية الغرابة!.
قد يدعونا هذا للتساؤل عما إذا كانت هنالك جهة ما ترى لنفسها مصلحة في إشاعة وترويج مثل ذلك المعيار المنحرف!، حتى إن الروايات الضعيفة الأسانيد تغدو مقدمة على النصوص القرآنية والروايات الحديثية الثابتة، وإلى الله المشتكى.
* ـ خلاصة البحث:
الحديث المروي عن طلحة بن عبيد الله ضعيف الإسناد، وكذا المروي عن عبيد بن خالد وعن سعد بن أبي وقاص، والمروي عن أبي هريرة هو خطأ من الراوي ومن باب الوهَم، ولا يرتقي بهذه الأسانيد الضعيفة عن مرتبة الضعف، لشذوذه ونكارة متنه، والله أعلم.
فإن قيل: إن هذا الحديث حسَّنه الهيثمي في مجمع الزوائد [10/ 204، برقم 17553]، والبوصيري في إتحاف الخِيَرة المهرة [6034]، وصححه الشيخ أحمد محمد شاكر في التعليق على مسند ابن حنبل [8380 ـ 8381]، والشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة [2591]، وحسَّنه الشيخ شعيب الأرناؤوط في التعليق على مسند ابن حنبل [8399 ـ 8400].
فأقول: جزاهم الله خيرا على ما عملوا وقدموا مع بذل الوقت والجهد، وأسأل المولى تعالى أن لا يحرمنا من الأجر، وقد قال سبحانه {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}.
وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 5/ 9/ 1439، الموافق 20/ 5/ 2018، سوى بعض الإضافات والتعديلات، والحمد لله رب العالمين.
